
صرخات الأمهات تعلو فوق أصوات المدافع.. أطفال الضالع يدفعون الثمن الأفدح للحرب
على أرض الريبي سقط الأطفال وبقي السؤال معلقاً: متى يتوقف الموت عن ملاحقة الأبرياء؟
"البراءة الممزقة.. أطفال الضالع ضحايا الموت المؤجل"
الضالع – غازي العلوي :
لم يكن أطفال قرية الريبي في منطقة حجر شمال محافظة الضالع يعلمون أن لحظات لعبهم البريئة ستتحول في ثوانٍ إلى مشهد دموي مروع، وأن أجسادهم الصغيرة ستدفع ثمن حرب لم يختاروها ولم يكونوا طرفاً فيها.
في ظهيرة يوم الإثنين، دوى انفجار عنيف هز أرجاء القرية الهادئة، بعدما انفجر جسم متفجر من مخلفات الحرب الحوثية وسط مجموعة من الأطفال، مخلفاً واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً التي شهدتها محافظة الضالع خلال السنوات الأخيرة.
في لحظة واحدة، تحولت ضحكات الأطفال إلى صرخات استغاثة، وامتلأت طرقات القرية بأصوات البكاء والعويل، بينما هرع الأهالي لانتشال أبنائهم من بين الدماء والأشلاء.
وبحسب المعلومات الأولية، أسفر الانفجار عن سقوط 13 طفلاً بين قتيل وجريح، بينهم خمسة شهداء وثمانية مصابين، بعضهم في حالات حرجة، نقلوا على إثرها إلى مستشفيات الضالع وعدن وسط محاولات يائسة لإنقاذ حياتهم.
كانت المشاهد داخل المستشفيات صادمة ومؤلمة؛ أجساد صغيرة ممزقة، ووجوه بريئة غطاها الدم والغبار، وأمهات يركضن بين غرف الطوارئ بحثاً عن بصيص أمل ينقذ أبناءهن من الموت. ومع تزايد أعداد المصابين، أطلقت إدارة المستشفى نداءً عاجلاً للتبرع بالدم، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها ذلك المقذوف القاتل.
جنازة تتحول إلى صرخة غضب
في اليوم التالي، خرجت محافظة الضالع عن بكرة أبيها لتشييع ضحايا الفاجعة.
تحولت جنازات الأطفال إلى مشهد وطني وإنساني مؤثر، حيث سار المئات خلف نعوش صغيرة كان يفترض أن تحمل حقائب مدرسية وألعاباً، لا أن تُحمل إلى المقابر.
وانطلق موكب التشييع من أمام مستشفى النصر العام بمدينة الضالع إلى قرية الريبي، بمشاركة واسعة من القيادات المحلية والعسكرية والأمنية والشخصيات الاجتماعية، يتقدمهم محافظ المحافظة اللواء أحمد قائد القبة، وسط حالة من الحزن العميق التي خيمت على الجميع.
لم تكن الجنازة مجرد مراسم وداع، بل كانت رسالة غضب ونداء استغاثة موجه إلى العالم بأسره، للتعامل مع واحدة من أخطر القضايا الإنسانية التي ما تزال تهدد حياة اليمنيين، والمتمثلة في الألغام والمقذوفات غير المنفجرة المنتشرة في المناطق المدنية.
قنابل مؤجلة تواصل حصد الأرواح
تكشف مأساة الريبي حقيقة مرة يعيشها سكان العديد من المناطق اليمنية، فالحرب بالنسبة لهم لا تنتهي بانتهاء المعارك أو توقف إطلاق النار، بل تستمر عبر آلاف الألغام ومخلفات الحرب التي تحولت إلى قنابل مؤجلة تنتظر ضحاياها.
وغالباً ما يكون الأطفال هم الأكثر عرضة لهذه الأخطار، بحكم فضولهم الطبيعي وعدم إدراكهم لطبيعة الأجسام المتفجرة المنتشرة في الحقول والطرقات والمناطق السكنية.
وتؤكد الحادثة أن مخلفات الحرب الحوثية لا تزال تشكل تهديداً يومياً لحياة المدنيين، وأن آثار الحرب تتجاوز ساحات القتال لتطال الأبرياء بعد سنوات من زرع هذه المقذوفات والألغام.
تصعيد عسكري ومخاوف متزايدة
وتأتي هذه الفاجعة في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تحركات عسكرية حوثية متسارعة باتجاه عدد من الجبهات الجنوبية، وفي مقدمتها الضالع وشبوة ويافع وكرش.
ويحذر ناشطون وسياسيون جنوبيون من أن استمرار الحشود والتعزيزات الحوثية، بالتزامن مع ما يصفونه بتراجع الإمدادات العسكرية واللوجستية للقوات الجنوبية، يرفع من مستوى المخاطر الأمنية ويهدد بفتح جولات جديدة من المواجهات.
ويرى مراقبون أن ما حدث في الريبي ليس معزولاً عن المشهد العام، بل يمثل وجهاً آخر للخطر الحوثي الذي لا يقتصر على خطوط التماس، وإنما يمتد إلى حياة المدنيين من خلال الألغام والمقذوفات غير المنفجرة التي تواصل حصد الضحايا.
من الإدانة إلى الفعل
أثارت الحادثة موجة إدانات واسعة، كان أبرزها إدانة السفارة البريطانية لدى اليمن التي استنكرت استشهاد الأطفال الأبرياء جراء انفجار مخلفات الحرب في الضالع.
غير أن كثيرين يرون أن بيانات الإدانة وحدها لم تعد كافية أمام استمرار سقوط الضحايا.
فالأهالي الذين شيعوا أبناءهم لا ينتظرون بيانات التعاطف بقدر ما ينتظرون إجراءات عملية تنقذ ما تبقى من أرواح الأطفال، عبر تكثيف برامج إزالة الألغام ومخلفات الحرب، وتوسيع عمليات المسح والتطهير، ودعم حملات التوعية المجتمعية في المناطق الملوثة.
أي ذنب اقترفوا؟
يبقى السؤال الأكثر إيلاماً مع كل حادثة مشابهة: أي ذنب اقترفه هؤلاء الأطفال؟
لم يكونوا جنوداً في جبهة قتال، ولم يحملوا سلاحاً، ولم يشاركوا في صراع سياسي أو عسكري. كانوا مجرد أطفال خرجوا للعب تحت سماء قريتهم، فعاد بعضهم جثامين إلى ذويهم، بينما يصارع آخرون الموت على أسرّة المستشفيات.
وفي الوقت الذي يواصل فيه العالم الحديث عن الحلول السياسية والتفاهمات والاتفاقات، تظل دماء أطفال الريبي شاهداً حياً على أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن أخطر ما فيها ربما لا يزال مدفوناً تحت التراب، ينتظر ضحاياه الجدد.
لقد رحل أطفال الريبي، لكن قصتهم ستظل جرس إنذار مدوياً يذكّر الجميع بأن السلام الحقيقي لا يكتمل ما دامت الألغام ومخلفات الحرب تواصل قتل الأبرياء، وما دام الأطفال يدفعون الثمن الأكبر لصراعات الكبار.