
في تسريبات حصرية من مذكراته الشخصية المرتقبة بعنوان "الحرب المفروضة: الدفاع أمام العدوان"، كشف نائب رئيس هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، هاني بن بريك، عن تفاصيل "مهمة سرية" جرت تحت جنح الظلام في عرض البحر، لتأمين وصول القائدين الشهيدين اللواء جعفر محمد سعد واللواء صالح الزنداني إلى العاصمة عدن إبان معركة التحرير.
ويروي بن بريك في تغريدة له في منصة إكس رصدها موقع (الأول) الإخباري، قصة من كتابه كيف انطلق رفقة الشيخ هاشم السيد والشيخ عبدالله الريني و"نواخذة" من أبطال منطقة الخيسة، في رحلة محفوفة بالمخاطر استجابة لطلب القائد الإماراتي "أبو عبدالله الدهماني". المهمة كانت استقبال "شخصيات بالغة الأهمية" قادمة من إحدى سفن الأسطول الإماراتي (الغويصات) في المياه الدولية.
موقف طريف وسط القلق
ويسرد بن بريك موقفاً طريفاً بدد ريبة الشهيدين جعفر والزنداني عند نزولهما للقارب الصغير، حيث أصيبا بالذهول لرؤية رجال ملتحين في عتمة البحر، ليخاطبهما بن بريك ممازحاً: "اطمئنوا.. معكم هاني بن بريك وهاشم السيد.. ولسنا القاعدة!". وهو ما حول القلق إلى عناق حار بمجرد معرفة الهويات، لتبدأ من تلك اللحظة رحلة كفاح مشتركة لتحرير الأرض.
وأكد بن بريك أن كتابه "الحرب المفروضة" يوثق وقائع المقاومة في الجنوب العربي بدقة، لضمان عدم تزوير الحقائق التاريخية، مهدياً هذا العمل للأبطال المرابطين ودول التحالف العربي الذين ساندوا الجنوب في أحلك ظروفه. وتعد هذه المذكرات إضافة هامة لتوثيق كواليس الحرب التي غيرت وجه المنطقة، ودور القادة العسكريين الذين خاطروا بأرواحهم في سن متقدمة للعودة وتصدر صفوف القتال.
نص القصة كما نشرها:
كانت مهمة لا ينبغي أن يعلم بها أحد إلا من سيكون شريكاً في تنفيذها. لم يَزدني على ذلك شيئاً سوى أنها مهمة في المياه وسط البحر على المياه الدولية، وأنها تتعلق باستقبال شخصياتٍ بالغة الأهمية، دون أن يَذكر لي أسماء أو تفاصيل. كان ذلك القائد الإماراتي أبوعبدالله الدهماني
ولأن البحر له رجاله، فليس لهذه المهمة إلا رجالها الذين يجمعون بين بأس البر وهيبة البحر، فلم يكن إلا أبطال الخيسة. وكان الشيخ عبدالله الريني في المقدمة ومعه ناخوذتنا ابن الخيسة دالي محمد الدالي أحد الأبطال الذين اعتمدنا عليهم كثيرا، كما كان لزاماً أن يكون معي الشيخ هاشم السيد، فالرجلان ممن يُطمأن إليهما في الشدائد، وهم أهلها.
انطلقنا إلى نقطة الالتقاء المحددة، في عرض البحر -وأهل الخيسة يمخرون في البحر كأنما في أزقة الخيسة يتجولون- وبينما نحن تحت جنح الليل الدهيم، حيث السكون الموحش، والظلام الذي يبتلع الأفق. انتظرنا ساعاتٍ طوالاً، حتى بدأ اليأس يتسلل إلى النفوس، وخُيّل إلينا أن المهمة قد أُلغيت أو أن شيئاً قد حال دون وصول القادمين.
وفجأة… شقّ الظلامَ طيفُ سفينةٍ شامخة، بدت لنا كأنها جبلٌ يتحرك فوق الماء. كانت الغويصات إحدى سفن الأسطول الإماراتي المرابط في البحر لتحرير عدن وكان على متنها قائد قوات التحالف العربي لتحرير عدن أبوعمر الطنيجي وقائد الاسطول أبومحمد الزعابي. خاطبونا طالبين منا الاقتراب، إذ كان من المتعذر عليها أن تدنو من قاربنا الصغير خشية أن تقلبه الأمواج الناتجة عن حركتها.
تقدّمنا نحن إليها بحذر، حتى حاذينا باباً فُتح في أسفلها، وكان الباب أعلى من مستوى قاربنا، مما جعل نزول الشخصيات أمراً بالغ المشقة. كلما اقتربنا من الباب أبعدتنا الأمواج، غير أن قائد قاربنا كان ماهراً جسوراً، يناور بالموج كأن البحر طوع يديه.
ثم فوجئنا بخروج شخصيتين كبيرتين في السن، لم نكن نعرف من هما. وعند استقرارهما في قاربنا ظهر على وجهيهما شيءٌ من الذهول والريبة؛ فكل من في القارب أصحاب لحى، والمشهد في ظلمة البحر يوحي بالحذر والقلق، حتى خُيّل إليهما ـ كما فهمت لاحقاً ـ أنهما ربما نزلا في القارب الخطأ!
أدركتُ ما يدور في خاطرهما، فهما كذلك لا يعلمان أسماء من سيستقبلهما. فسارعت أرحب بهما وأبدد وحشة الموقف. وهنا وقعت طرفةٌ لطيفة لا أنساها؛ إذ سألتُهما: من معي؟
فأجاب الأول: أبو محمد، وقال الثاني: أبو صلاح.
فضحكت والشيخ هاشم والشيخ الريني، ثم قلت ممازحاً:
اطمئنوا… معكم هاني بن بريك، وهاشم السيد، وعبدالله الريني… ولسنا القاعدة!
وكأن جبلاً من القلق انزاح عن صدريهما حين سمعا الأسماء، فإذا بأبي محمد يرفع صوته فرحاً:
الشيخ هاني بن بريك! والشيخ هاشم السيد! وكانا يسمعان بنا سماعاً.
ثم تعانقنا جميعاً في مشهدٍ اختلطت فيه المشاعر، وقال لي أبو محمد:
أنا اللواء جعفر محمد سعد، وهذا اللواء صالح الزنداني.
وكان ذلك أول لقاء لنا بالشهيدين العظيمين أبي محمد وأبي صلاح.
وما أعظم رجال الجنوب… عادوا ليحرروا أرضهم، وخاضوا البحر في تلك السن المتقدمة ليصلوا إلى عدن، يحملون أرواحهم على أكفهم، وإيمانهم بوطنهم أعظم من خوفهم من الموت.
من كتاب الحرب المفروضة