
في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية على طهران، لا يستبعد خبراء أن تتحوّل العاصمة اليمنية صنعاء إلى منصّة تنسيق عملياتي بديلة، لإدارة شبكات "نفوذها الإقليمية"، التي تواجه حالة ارتباك غير مسبوقة في بنيتها الداخلية.
وبيّن الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن استمرار تعرّض القيادات الإيرانية للضربات الموجعة، ينعكس سلبا على مستوى قنوات وآليات التنسيق بين أذرعها في المنطقة، ويضعف من فاعلية تحركاتها الميدانية المساندة، الأمر الذي قد يدفع طهران نحو اعتماد نموذج غير مركزي في إدارة التحالفات، يقوم على توزيع الأدوار بين الفاعلين المحليين وفق قدراتهم الجغرافية والعسكرية.
ورغم عدم انخراط ميليشيا الحوثي المباشر في التصعيد حتى اللحظة، إلا أن ثمّة من يرى في ذلك "تكتيكا" مؤقتا لإبقاء صنعاء بعيدة عن الصراع الراهن، لترتيب موقعها الجديد كمركز عمليات متقدم، ما يمنح أطراف "المحور" هامشا أوسع من المبادرة الميدانية.
طموح وقيود
وقال محلل الشؤون الأمنية، عاصم المجاهد، إن إيران بدأت إعادة ترتيب شبكتها الإقليمية والبحث عن بدائل أكثر مرونة في إدارة نفوذها، منذ وقت مبكّر، وفي أعقاب مقتل الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله؛ إذ رفعت من مستوى استثمارها السياسي والعسكري والإعلامي في الحوثيين، في محاولة تقديمهم كرأس حربة متقدم داخل المحور.
وذكر لـ"إرم نيوز"، أن هذا التوجّه ترافق مع مساع لإعادة صياغة الهوية السياسية والدينية لجماعة الحوثي، وإبراز حضورها في المناسبات الدينية الشيعية، في سياق تقريب البنية الزيدية من الاثني عشرية، بما ينسجم مع هندسة المحور، لتقبّل الحوثيين كبديل إقليمي محتمل.
وبيّن المجاهد، أن احتمال تحوّل صنعاء إلى غرفة تنسيق متقدمة لوكلاء طهران يبقى ممكنا نظريا لعدة عوامل، أبرزها: سيطرة الحوثيين المحكمة على العاصمة والمناطق الواقعة تحت نفوذهم، وتراكم خبراتهم في إدارة منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى حاجة إيران المتزايدة لاعتماد نمط أكثر لامركزية في إدارة غرف القرار تحت ضغط المواجهة العسكرية.
وأشار في المقابل إلى أن هذه الفرضية تصطدم بجملة من القيود الواضحة، في مقدمتها تراجع الحضور الفني الخارجي بعد تقليص وجود خبراء من الحرس الثوري وحزب الله في اليمن، وهو ما يضعف البنية التشغيلية المتقدمة التي تتطلبها أي غرفة تنسيق إقليمية.
وأضاف المجاهد أن تصاعد الضغط الاستخباري والاستطلاعي، فوق مناطق سيطرة الحوثيين، يحدّ من قدرتهم على إدارة مركز قيادة قادر على العمل على مستوى إقليمي واسع، إلى جانب الفجوات التي تواجهها الجماعة في القدرات الشبكية، وحاجتها إلى بنية اتصالات آمنة وتكامل استخباري عالي المستوى.
عودة شهلائي
من جهته، قال المحلل العسكري، العقيد محسن الخضر، إن انسحاب عدد من الخبراء الأجانب قد لا يعني بالضرورة تراجع مستوى التنسيق، بقدر ما يعكس إعادة تموضع أو اعتماد أكبر على شبكات الاتصال غير المباشر، ونقل الخبرات التي جرى ترسيخها سابقا لدى الحوثيين.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن عودة نائب قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، العميد عبدالرضا شهلائي، العام الماضي إلى اليمن، بعد أشهر من مغادرته لصنعاء، مؤشر على محاولة إعادة ترتيب غرفة الإشراف العملياتي والحفاظ على الحد الأدنى من الحضور الاستشاري الذي يضمن استمرار دور الحوثيين الفاعل والمؤثر.
ورأى العقيد الخضر أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثّل في سعي الجماعة إلى رفع جاهزيتها وتعظيم دورها الوظيفي داخل المحور، مع الحفاظ على سقف انخراط محسوب يتجنب استدراج ضربة واسعة، دون الانتقال فعليا إلى موقع القيادة المباشرة، مبيّنا أن الحوثيين يدركون مخاطر الانخراط العلني في هذا الدور، وعواقبه التي قد تضعهم في مواجهة مباشرة مع ضغوط دولية وعسكرية أكبر.
انكفاء حذر
بدوره، استبعد الخبير العسكري، العميد عبدالرحمن الربيعي، تزعّم الحوثيين لغرفة تنسيق مشتركة لأطراف المحور الإيراني، لافتا إلى أن جماعة الحوثي لا تمتلك القدرات القيادية ولا الأدوات العملياتية التي تؤهلها للعب دور فاعل بهذا المستوى، خصوصا في ظل الحرب الإقليمية الراهنة والمعقّدة.
وقال لـ"إرم نيوز"، إن الجماعة تبدو حاليا في وضع الانكفاء والترقب الحذر؛ إذ ما زالت تراقب التطورات الجارية بقلق واضح، دون أن تحسم خيار الدخول في المواجهة، إدراكا منها لحجم المخاطر المترتبة، سواء لقرار الانخراط أو لما ستؤول إليه الأوضاع في المنطقة.
ولفت الربيعي إلى أن المشهد المحيط بالحوثيين داخليا وخارجيا، يؤكد فقدان الجماعة لجزء مهم من قدرتها الاستراتيجية مؤخرا، بما في ذلك مخزون الصواريخ بعيدة المدى التي استُخدمت سابقا في استهداف إسرائيل أو تهديد الملاحة في البحر الأحمر.
ورجح أن تحاول الجماعة في الوقت الراهن الاحتفاظ بما تبقى لديها من هذه القدرات، تحسبا لاستخدامها في فرض تهديدات جديدة أو للحصول على مكاسب سياسية، خصوصا إذا ما اندلعت معركة داخلية ضدها.