رواتب مقطوعة وأرصفة مزدحمة.. اقتصاد "الانهيار الكامل" يعم مناطق الحوثيين
تاريخ النشر: الثلاثاء 03 مارس 2026
- الساعة 19:57:09 - حياة عدن / خاص :
يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين رمضان هذا العام، وسط مشهد اقتصادي واجتماعي مُثقل بالأزمات، تتصدره رواتب مقطوعة منذ سنوات وأرصفة مكتظة بالمتسولين وطوابير طويلة أمام منازل رجال الخير والجمعيات الخيرية للحصول على سلل غذائية بالكاد تسدّ رمق الأسر.
الصورة الرمضانية التي ارتبطت تقليديًا ونمطيًا بالتكافل والموائد العامرة، تحوّلت إلى مشهد انتظار يومي للمساعدة، وأسواق تجارية إلا أنها خالية من المشترين، المحال مكدّسة بالبضائع والسلع تعلو الرفوف غير أنها لا تجد من يقتنيها.
وقادت ميليشيا الحوثي الأوضاع في مناطقها نحو المجهول، مواطن من صنعاء تحدث لـ"إرم نيوز"، عن وضع اقتصادي كارثي يعيشه الأهالي، مُشيرًا إلى أن هناك تراجعًا لافتًا في قدرة أرباب ومعيلي الأسر في توفير الحاجيات الأساسية لمنازلهم وذويهم.
وقال المواطن والذي نكتفي بذكر حروف اسمه الأولى (م. ح. ب) -وذلك بطلب منه خشية أن يعرضه نشر اسمه للخطر- "قد تجدني أبالغ إذا أخبرتك بأن المجتمع في صنعاء يقتصر على الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة، وأن الطبقة المتوسطة تكاد لا ترى وفي تراجع مُخيف".
وأضاف (م. ب): "وطبعًا الطبقة الغنية تتمثل في أسر وأبناء القادة من ميليشيا الحوثيين، بينما الطبقة الفقيرة هي من عموم الناس والمواطنين"، معربًا عن أسفه لاستئثار المال العام واقتصاره على أسر وأشخاص بعينهم، في ظل عدم صرف المرتبات وارتفاع الأسعار ورفع كلفة الضرائب والجبايات والرسوم.
وتابع: "وعوضًا عن توفير مخصصات مالية لرفد الخدمات وتيسير الحياة على الناس، يقوم المسؤولون الحوثيون بتحويل ذلك تحت مسمى المجهود الحربي، ومن ضمن المجهود الحربي بالطبع -ساخرًا- مرتبات القادة الأمنيين والعسكريين والقبليين من أنصارهم والموالين لهم، بينما المواطنون والموظفون لا يجدون شيئًا".
ولفت إلى أن شريحة واسعة من المجتمع فقدت مصادر دخلها، والكثير من التجار أفلسوا بسبب السياسات الممارسة من قبل الحوثيين، واضطر العديد من الأهالي إلى اتخاذ قرارات قاسية، مثل إجبار بعض أبنائهم على ترك المدارس والدفع بهم إلى سوق العمل للعمل كباعة جائلين أو في المطاعم أو في ورش إصلاح السيارات المتعددة.
تكشف التقارير الإعلامية والحقوقية في اليمن، عن أن كل من يخرج يشكو سوء الحالة المعيشية التي آلت إليه الأوضاع في صنعاء، أو يطالب بحقه في الحصول على راتبه، يواجَه بقمع حوثي وحدّة في التعامل تصل إلى حدّ الضرب والحبس، في محاولة لسدّ باب إن فُتح سيخرج المئات من المواطنين بشهادات أكثر إيلامًا تحكي واقعًا بات أكثر قتامة وسوداوية.
المشاهد والتوثيقات التي يتشجع البعض على سردها من داخل صنعاء، تكشف عن منازل عديدة افتقدت لروح رمضان، موائد تحيطها الأفواه والأيادي، وأطباق خالية من الزاد، إلا من القليل، أسر عديدة عزيزة ومتعففة، باتت في حالة عوز وحاجة لا نظير لها.
وصل الحال بالحوثيين، أنهم منعوا رجال الخير والجمعيات الخيرية المحلية، من تقديم المساعدات للناس، مُلزمةً كل من يريد أن يقدم الصدقات أو صرف السلل الغذائية ألا يتم ذلك إلا عبرها، وذلك بعد أن قام البعض من التجار والميسورين في الأيام الأولى من رمضان، بتوزيع المساعدات للمحتاجين، وحرمت بعض من كانوا يعتمدون على ما يجود به الكرام من ذلك حتى.
وفي موازاة ذلك، تتزايد أعداد المتسولين بشكل ملحوظ، بينهم نساء وأطفال وكبار السن، في محيط المساجد والأسواق، كما ينتشر البعض كباعة على بسطات بسيطة على الأرصفة، لبيع التمور والخضروات والملابس المستعملة في محاولة تأمين دخل يومي يغطي احتياجات الإفطار، وسط تقهقر غير مسبوق في القدرة الشرائية في الأساس.
الباحث الاقتصادي معتصم الشبوطي، يقول "فعلًا هكذا تبدو الصورة في رمضان بمناطق الحوثيين، رواتب مقطوعة وأرصفة مزدحمة بالمتسولين، مشهد يعكس أزمة تتجاوز موسمية الشهر الفضيل، ومؤشر على انهيار معيشي يتطلّب معالجات جذرية تُعيد الاعتبار لليمنيين في مناطق الحوثيين".
وأعرب الشبوطي، في حديثه لـ"إرم نيوز" عن أسفه، لافتًا إلى أنه ومنذ انقلاب ميليشيا الحوثيين قبل نحو 11 عامًا، ورمضان يأتي عامًا بعد آخر، ومناطق الميليشيا لا تزال تعيش ضمن معادلة اقتصاد حرب، تُوجّه فيه الموارد المحدودة في الأساس، نحو أولويات عسكرية وأمنية، وذلك على حساب الإنفاق الاجتماعي والخدمي".
وأضاف الباحث الاقتصادي: "ومع غياب حلول اقتصادية مُستدامة يتعمّق الركود ويتسع نطاق الفقر"، مُبينًا "هذا التمدد للاقتصاد غير المنظم جاء نتيجة مباشرة لانكماش القطاعين العام والخاص، وغياب فرص العمل المنتظمة، إضافة إلى السياسات المالية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الجبايات والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية، ما ينعكس على أسعار السلع ويضاعف الأعباء على المستهلك".
ونوه الشبوطي، بأن "النتيجة الأبرز لهذا الواقع تتمثّل في اختفاء شبه كامل للطبقة الوسطى، التي كانت تُمثّل صمّام أمان اجتماعيًا واقتصاديًا"، مضيفًا "موظفون وجدوا أنفسهم في دائرة العوز، بعد أن كانوا يعتمدون على رواتب مستقرة، ومع تضاعف الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية، باتت الأسر تُعيد ترتيب أولوياتها وفق منطق الأهم فالأقل أهمية".