• آخر تحديث: الاحد 26 ابريل 2026 - الساعة:19:47:08
آخر الأخبار
آراء واتجاهات
عيدروس الزُّبيدي: عقيدة الصمود حين يصبح الرجلُ قدرًا
تاريخ النشر: الاحد 26 ابريل 2026 - الساعة 19:47:08 - حياة عدن / كتب/الأستاذ محمد مانع التأمي :

في زمن الانكسارات، يبعث الله للشعوب رجالًا لا يُقاسون بمقاييس البشر العاديين. رجالٌ عظماء تختزل فيهم الأمة جرحها وحلمها، ووجعها وخلاصها. وعيدروس قاسم الزُّبيدي واحدٌ من هؤلاء، ممن كتبتهم الأقدار على جبين الجنوب ليكونوا علامة فارقة بين زمنين: زمن القهر، وزمن الحرية.

الصمود ليس شعارًا يُرفع، بل هو مقامٌ رفيع ،وخلق قويم لا يبلغه إلا من تحرر من خوف الفقد. عيدروس لم يصمد لأنه يملك دبابة أو لواء، بل لأنه امتلك الفكرة. والفكرة إذا استوطنت قلب رجل، صار هو الجيش، وصار هو الجبهة، وصار هو الوطن الماشي على قدمين.

وقف في وجه الاحتلال اليمني ،والمليشيات الحوثية الغازية، والتنظيمات الإرهابية التابعة للمحتل، والمدعومة سعوديًا  قديمًا وحديثًا ،وهو يدرك أن معركته ليست مع جغرافيا، بل مع عقلية استعمارية ترى الجنوب غنيمة. ووقف في وجه الدعم السعودي وهو يدرك أن المال يشتري الذمم، لكنه لا يشتري التاريخ. قالها صمته قبل لسانه: "قد تشترون الذمم، لكنكم لن تشتروا الإرادة".

إن عيدروس لم يقاتل ليحكم، بل صمد ليمنع أن يُحكم الجنوب من غير أهله. هناك فرق جوهري بين من يطلب السلطة، ومن يرفض العبودية. الأول قد يساوم، أما الثاني فلا يعرف إلا طريقًا واحدًا: إما وطن حر، أو قبر حر.

"لا يحسب البدر لما غاب ضوءه أفل
من عادة البدر يظهر بعد ظلمة حموس". وهذا قانون كوني قبل أن يكون بيت شعر. كلما اشتدت الظلمة، وادلهمّ الليل، وبلغت القلوب الحناجر، اعلم أن البدر على وشك الطلوع.

المحتل اليمني بدعمه السعودي راهن على "الحموس": على إغراق الجنوب في الخدمات، في الفقر، في الفتنة، في اليأس. ظنوا أن الشعب إذا جاع باع قضيته، وإذا ظمئ شرب من كأس التبعية. لكنهم جهلوا أن الشعوب التي أنجبت عيدروس لا تموت، بل تختزن غضبها لتفجره طوفانًا.

النصر تأخر لأنه لا بد أن يكون نصرًا نظيفًا. نصرٌ لا يأتي على ظهر دبابة غازية، ولا بمال سياسي مشروط. نصرٌ يولد من رحم المعاناة، حتى إذا جاء، لم يستطع أحد أن يساوم عليه أو ينسبه لنفسه. عيدروس يدرك هذا السر، لذلك لم يستعجل. فالقائد ليس من يركض، بل من يعرف متى يركض.

رغم أنف المحتلين...سيعود عيدروس ...سيعود الجنوب.. فحتمية التاريخ أن الشعوب الحية لا تُقهر إلى الأبد، وأن الحق لا يموت وإن دُفن. عيدروس ليس شخصًا، عيدروس صار فكرة، والفكرة لا تُغتال.

سيعود، لا لأنه يريد العودة، بل لأن الجنوب يريده. سيعود رغم أنف المحتلين لأن الاحتلال إلى زوال، هذه سنة الله في الأرض. كل استعمار انتهى، وكل غازٍ رحل، وبقيت الأوطان لأهلها، وسيعود رغم أنف العملاء والخونة، لأن الخائن لا يصنع تاريخًا، بل يُكتب في هامشه سطرًا أسود يلعنه الأحفاد. الخيانة كذبة قصيرة العمر، أما الوطن فحقيقة أبدية. والتاريخ لا يحفظ أسماء من قبضوا الثمن، بل يحفظ أسماء من دفعوا الثمن.

 يعني عيدروس للجنوبي البسيط. للأم التي فقدت ابنها،  هو الوعد بأن الدم لم يذهب هدرًا.  
وللطالب الذي يدرس على ضوء الشمعة، هو الحلم بدولة توفر له الكتاب والكرامة.  
وللجندي المرابط في الجبهة، عيدروس هو القائد الذي لم يترف في الفنادق وتركهم للرصاص.  
وللشهيد في قبره، عيدروس هو القسم الذي لم يُنكث.

لذلك محاولة كسر عيدروس هي محاولة لكسر الحلم الجنوبي كله. ولهذا فشل كل من حاول. لأنك تستطيع أن تسجن رجلًا، لكنك لا تستطيع أن تسجن حلم شعب.

البدر آتٍ... وهذه ليست أمنية، بل معادلة .القائد الذي يلتحم بشعبه يصبح هو والشعب كيانًا واحدًا. اضرب القائد ينتفض الشعب، اخنق الشعب ينتفض القائد. هذه المعادلة هي سر صمود عيدروس، وسر رعب خصومه.

الظلمة الآن "حموس"، نعم. التآمر كبير، نعم. الطريق شائك، نعم. لكن من عادة البدر أن يظهر بعد ظلمة حموس. ومن عادة الشعوب الحية أن تنتصر بعد أن يظن الجلاد أنها ماتت.

عيدروس الزُّبيدي ليس نهاية المطاف، لكنه الجسر الصلب الذي لا بد أن نعبر عليه إلى الدولة. وهو يعرف ذلك، لذلك لا يساوم على الجسر، ولا يبيعه، ولا يهدمه.

قريبًا سيرون أن إرادة الشعوب أقوى من المال، وأن الحق أبقى من الباطل، وأن عيدروس يمهد للعودة الكبرى: عودة الجنوب كله إلى أهله.

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الصحافة الآن