• آخر تحديث: الاربعاء 25 فبراير 2026 - الساعة:21:44:14
آخر الأخبار
أخبار وتقارير
إغلاق مقرات الانتقالي في عدن… هل تصمد إرادة الجنوب أمام القمع؟
تاريخ النشر: الاربعاء 25 فبراير 2026 - الساعة 20:20:33 - حياة عدن / تقرير/ هشام صويلح :
كان من المفترض أن يكون صباح الأحد 22 فبراير 2026 في مديرية التواهي بالعاصمة عدن نسخة طبق الأصل عن أي صباح سابق. حمل الموظفون حقائبهم، وضبطت القيادات ملفاتها، وتجهزت السيارات للانطلاق نحو مقر الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يضم أيضًا مجلس المستشارين. الروتين المعتاد، رائحة القهوة المعتادة، وجوه اعتادوا رؤيتها يومياً. لكن القدر كان قد كتب لهذا اليوم سيناريو مختلفًا تمامًا. عند الوصول، لم تستقبلهم الأبواب المفتوحة ولا حراس البوابة المعتادون. بدلًا من ذلك، وجدوا أنفسهم أمام جدار بشري من القوات العسكرية المنتشرة بدقة، وأبوابًا موصدة بإحكام. حاول البعض التفاوض، فسقطت كلماتهم على مسامع صماء وردود مقتضبة: "تعليمات عليا". وقفت إحدى الموظفات تحمل صورة والدها الذي قاتل في صفوف القوات الجنوبية، تتساءل بصوت مبحوح: "هذا جزاؤه؟" نظر الآخرون حولهم في حيرة، يلتقط بعضهم صورًا بهواتفهم كمن يوثق لحظة وداع غير متوقعة، بينما اتجه آخرون للاتصال بزملائهم للتأكد مما إذا كانت الإجراءات قد شملت بقية المقرات. في دقائق معدودة، تحولت مؤسسة سياسية كاملة من فضاء للعمل والحياة إلى كيان معزول، وكأنها شُطبت من الخريطة الإدارية للمدينة دون إنذار مسبق. لم يكن هذا المشهد سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة دموية بدأت قبل 72 ساعة فقط. فمساء الخميس 19 فبراير، شهدت شوارع عدن وقفة احتجاجية سلمية أمام بوابة قصر المعاشيق، عبّر فيها الجنوبيون عن رفضهم لواقع سياسي مفروض عليهم بوصول وزراء شماليين في حكومة لا تمثلهم. هذه المرة، لم يكن الرد مجرد تفريق للمتظاهرين، بل كان رصاصًا حيًا اخترق الهواء، وسمع دويّه في بيوت المتظاهرين قبل أن يصل إلى أجسادهم، مخلفًا شهيدًا وعشرات الجرحى. تحولت الوقفة إلى مجزرة مصغرة في قلب العاصمة، مرسلة رسالة واضحة وقاسية مفادها أن الاحتجاج له ثمن باهظ. وبعد ثلاثة أيام فقط، جاء الإغلاق الشامل لمقرات المجلس ليكمل الرسالة: الانتماء لهذا الكيان السياسي بات يُعامل كخطأ يستوجب العقاب الجماعي. لكن قراءة هذا التصعيد لا تكتمل دون العودة إلى جذوره في أواخر 2025. فما حدث في فبراير لم يأت من فراغ، بل كان تتويجًا لمسلسل من الانهيارات بدأت فصوله قبل أشهر. فقد منيت قوات المجلس بهزائم عسكرية قاسية في حضرموت والمهرة، حيث سقطت معسكرات رئيسية بيد قوات مدعومة إقليميًّا، وبدأ الزحف نحو عدن يلوح في الأفق. هذا التآكل الميداني جرد المجلس من درعه العسكري، وجعله عرضة لضغوط سياسية لم يعد قادرًا على صدّها. السلاح الذي كان يحمي القرار السياسي سُلب، فجاء من يسلب القرار نفسه. استُغل هذا الضعف في يناير 2026، حين وُضع وفد المجلس في الرياض تحت ما وصفته القيادة في عدن بـ"الإقامة الجبرية". وحسب مصادر مطلعة، فإن الوفد عُزل تماماً ومنع من التواصل، قبل أن يُجبر على التوقيع على بيان حل المجلس تحت ضغط نفسي شديد استمر قرابة 12 ساعة. وكانت جهات إعلامية وقريبة من الوفد قد نشرت تفاصيل مماثلة عن تلك الساعات العصيبة التي سبقت إصدار البيان. مُنع الوفد من التواصل، وعُزل عن قواعده، ثم أُجبر على إصدار بيان بحل المجلس وإلغاء هيئاته. رفضت القيادة في الداخل هذا "الحل المكره" باعتباره صادرًا تحت الإكراه، ودعت الشعب للدفاع عن شرعيته. خلق هذا الرفض ازدواجية خطيرة: مجلس "منحل" رسميًّا في نظر السلطات، لكنه "حي" ومقاوم في وجدان الشارع الجنوبي. وكان الإغلاق الحالي هو الثمن المدفوع مقابل هذا الرفض؛ عقابًا لمن قال "لا" للخضوع. في خضم هذا الزلزال، لم تصمت النخب الجنوبية، بل هبّت تدافع عن ما تعتبره "الخيار الوحيد" المتبقي. د. عبد الله عبد الصمد، رئيس التجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج)، وصف الإغلاق بكلمات قليلة: "استفزاز جديد وخطوة على طريق التصعيد". كلمتا "استفزاز" و"تصعيد" معًا تؤشران إلى أن ما حدث ليس حادثة معزولة، بل جزء من مسار متوتر. حتى أولئك الذين كانوا ينتقدون المجلس أو ابتعدوا عنه، وجدوا أنفسهم في خندق واحد دفاعًا عن الثوابت. حسن منصر الكازمي، الرئيس السابق للمجلس في أبين، أكد أنه "لا توجد لدى الجنوبيين جبهة سياسية بديلة... سوى التمسك بالمجلس الانتقالي". كلماته لم تكن دفاعًا عن أشخاص، بل عن تمثيل سياسي بات وحيدًا في مواجهة العاصفة. ومن زاوية أخرى، قدّم المحلل مسعود أحمد زين قراءة استباقية ترى في القمع بذورًا لمرحلة جديدة. "إغلاق المباني لن يلغي النشاط السياسي لأي حركة تحرر"، يقول زين، بل قد تكون الأزمة فرصة لـ"تطهير الانتقالي من شوائب المصالح الشخصية"، لتبقى النواة النضالية الصلبة. ويحذر من أن "السياسة الأمنية ستقوي المشروعية السياسية لهذه الحركة وليس العكس"، محولًا سردية العقاب إلى قصة صمود. الإعلامي صلاح بن لغبر، ذهب في تحليله إلى تحميل الرياض مسؤولية مباشرة، معتبرًا أن ما يجري جزء من مسار إقليمي أوسع يستهدف إعادة تشكيل المشهد الجنوبي. أما السياسي د. عيدروس النقيب، فقد استدعى ذاكرة ما بعد حرب 1994، مشيرًا إلى أن "حتى المنتصرين آنذاك لم يتجرأوا على إغلاق مقرات الأحزاب في الجنوب". تحذيره كان واضحًا: "المصادرة وتكميم الأفواه ليس من طبيعة الحكومات المحترمة"، وأن القائمين على الأمر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مع الشعب أو ضده. وفي خضم هذا الصخب، جاء بيان هيئة الشؤون الخارجية للمجلس ليؤكد أن القرار "تعسفي" و"ممنهج"، بينما اختصر الصحفي خالد شوبه المأساة في عبارة باتت تتردد في أزقة عدن: "قضية شعب الجنوب ليست مفتاح بوابة ولا جدران مقر". اليوم، تقف عدن أمام مفترق طرق مؤلم. بين رصاص المعاشيق الذي أسكت الأصوات مؤقتًا، وأبواب التواهي المغلقة التي منعت الوصول إلى المكاتب، تبقى القضية الجنوبية أكبر من أي قيد مادي. لقد حاولت قوى نافذة إغلاق الملفات بالأقفال والرصاص، لكنها تجاهلت أن القضايا المتجذرة في الوعي الجمعي لا تموت بالجدران، بل تتجدد كلما اشتد الضغط عليها. عدن اليوم تشبه بيوتها المغلقة: أبواب موصدة بإحكام، لكن النوافذ تظل مشرعة على شمس لا تغيب، وأصوات لا تموت. السؤال الذي يظل معلقًا في سماء عدن: هل يدرك صانعو القرار أن إغلاق الأبواب قد يحوّل الغرف الفارغة إلى أصداء تضخم صوت المطالبة بالحقوق المشروعة؟ وهل يُنتبه قبل فوات الأوان إلى أن عقاب شعب تمسك بتمثيله السياسي قد يكون الشرارة التي تفتح مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها؟ الجدران قد تُغلق، لكن العقول والقلوب تبقى مفتوحة على جرح لم يندمل، وعلى أمل لم يخمد.
التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص

الصحافة الآن