
أبين .... أولاً
في كل مرحلة مفصلية تمر بها الأوطان تظهر بوضوح طبيعة القوى التي تدير المشهد السياسي وهل تعمل بعقل الدولة أم بعقل التنظيم وما شهدته البلاد خلال السنوات الماضية يكشف أن بعض القوى وعلى رأسها حزب الإصلاح لم تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها مسؤولية وطنية جامعة بل كغنيمة سياسية يجري تقاسمها وفق حسابات حزبية منظمة ومبرمجة فقد تم الاستحواذ على نصيب واسع من الحقائب الوزارية بالتوازي مع التغلغل داخل مؤسسات المجتمع المدني وتوظيف الكوادر الحزبية والخلايا التنظيمية بطريقة أضعفت مفهوم الكفاءة وأقصت مبدأ الشراكة الوطنية وهذه الممارسات لم تكن مجرد أخطاء سياسية عابرة بل أسهمت في تكريس ما يمكن تسميته بجذور الدولة العميقة التي تتحكم بمفاصل القرار وتعيد إنتاج الأزمات حيث تصبح المؤسسات رهينة الولاء التنظيمي بدلاً من أن تكون أداة لخدمة المواطن وعندما تتحول الدولة إلى مساحة نفوذ حزبي فإن النتيجة الطبيعية تكون تعطّل التنمية وتراجع الخدمات واتساع فجوة الثقة بين الشعب والسلطة وهو ما يدفع الوطن ثمنه من استقراره ومستقبله إن استمرار هذا النهج يعني بقاء البلاد في دائرة الصراع والإدارة المرتبكة لأن الدولة لا يمكن أن تُبنى بعقلية الإقصاء أو الاحتكار بل بروح وطنية تؤمن بالتعدد والشراكة وتضع مصلحة الوطن فوق أي انتماء سياسي أو تنظيمي فالأوطان لا تنهض بالهيمنة وإنما بالكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص وبمؤسسات قوية محايدة تحمي الجميع دون استثناء واليوم تبرز الحاجة الملحّة إلى مسؤولية وطنية حقيقية في إدارة البلاد مسؤولية يقودها رجال دولة مخلصون مؤمنون بالوطن قبل المواقع يمتلكون رؤية للبناء والتنمية لا عقلية إدارة الأزمات فقط قيادات تحمل مشروعاً وطنياً قائماً على التخطيط الاستراتيجي وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وفصل العمل الحزبي عن مؤسسات الحكم بما يضمن استعادة ثقة المواطن وإطلاق مسار التنمية والاستقرار إن إنقاذ الوطن يبدأ بإعادة تعريف مفهوم القيادة فالقائد الحقيقي ليس من يوسع نفوذ حزبه بل من يوسع مساحة الأمل لشعبه وليس من يكدّس المناصب لأنصاره بل من يبني مؤسسات قادرة على خدمة الأجيال القادمة فالوطن اليوم لا يحتاج مزيداً من الصراعات بل يحتاج عقولاً تبني وقيادات تخطط وإرادة وطنية تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار حتى تستعيد الدولة دورها الطبيعي كحاضنة للجميع لا كأداة بيد تنظيم أو جماعة