• آخر تحديث: السبت 02 ديسمبر 2023 - الساعة:15:04:39
آخر الأخبار
أخبار عدن
هل انتهت سنوات العسل؟
تحليل خاص : كيف تحاول بعض القوى ضرب العلاقة بين الانتقالي الجنوبي والسعودية ؟
تاريخ النشر: السبت 29 يوليو 2023 - الساعة 19:56:52 - حياة عدن / صدام محمد الردفاني :

26 مارس 2015م أعلنت السعودية بدء عاصفة الحزم لإعادة الشرعية اليمنية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، ومنذ ذلك اليوم ارتص الجنوبيون بكل مشاربهم وتوجهاتهم إلى جانب التحالف العربي الذي تقوده السعودية.

 اختلط الدم الجنوبي مع الأشقاء في التحالف العربي، وكانت معركة دحر المليشيات الحوثية وقوات صالح آنذاك مصيرية مشتركة، تجسد ذلك في كثير من المواقف التي غيرت ميازين الحرب لصالح المشروع العربي، ومنذ ذلك اليوم يخوض الجنوبيون معارك متعددة الوظائف في سبيل إرساء النصر وتثبيته ليكون رافعة للعيش الكريم للمواطن الجنوبي في المحافظات المحررة، وكذا واجهة جميله تحتذى بها دول التحالف العربي وتتفاخر بها أمام الرأي العام الدولي كون تدخلها العسكري أتى حصادة خاصة مع وجود أطماع إقليمية على تفتيت الدول العربية لمشاريع بعيدة عن الحاضنة العربية، وهذا يحط موقف السعودية على وجه الخصوص في موقف قوي يظهر قدرتها بلعب دور في تغيير السياسات في المنطقة وردع أي قوة تحاول زعزعة وتهديد أمنها القومي.

 

مصير واحد هل ما زال باقيا؟

منذ انطلاق الحرب ظلت دول التحالف العربي - بقيادة السعودية - على وئام تام مع الجنوبيين خاصة بعد ثباتهم على الأرض ومقاومتهم المليشيات الحوثية، وظل الجنوبيون مخلصين في كل المنعطفات رغم التركة الثقيلة التي تركتها الحرب من انعدام الخدمات الأساسية، وكذا تأخر صرف الرواتب وانهيار العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، لكنهم تحملوا ذلك لكي يحافظوا على الانتصارات والود والأخوة والمصير المشترك.

ثماني سنوات عجاف مرت على الجنوبيين دفعوا فيها ضريبة باهظة الثمن فحلمهم بعد عاصفة الحزم بالعيش الكريم تبخرت وأصبحت مجرد أحلام بريئة تباع على قارعة سوق عكاظ.

فما زال المواطن في المحافظات الجنوبية المحررة يتساءل بحرقة: أين نحن من إعادة الأمل التي استبشرنا فيها خيرًا وحكينا وطرزنا أحلامنا عليها جنبا بجنب مع الأشقاء في دول التحالف وقدمنا وما زلنا نقدم التضحيات من أجل ذلك اليوم؟ لو ننظر لطبيعة التحالفات على الساحة نرى بوضوح أن المجلس الانتقالي الجنوبي حط لنفسه مكانة مرموقة ومصيرًا مشتركًا مع التحالف العربي للتصدي للمشاريع الإيرانية، وحافظ الانتقالي على المكانة المتينة طيلة السنوات الماضية منذ الحرب، لكننا نرى بوضوح أن هناك تغير طرأ في العلاقات بين قطبي التحالف بقيادة السعودية والمجلس الانتقالي، وهذا  التغير طغى من خلال الاستحواذ على المناطق الشرقية وخاصة محافظة حضرموت ذات الموقع الاستراتيجي والغنية بالنفط، فكلا الطرفين يحاول أن يضع لنفسه مكانة فيها، خاصة مع نية الانتقالي طرد قوام المنطقة العسكرية الأولى في الوادي وإحلال قوات حضرمية بديلا عنها، وهذا ما أجج الوضع بين الفرقاء من تحت الطاولة.

 

هل تجاوز الانتقالي الخطوط الحمراء؟

في الرابع من مايو 2017م تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي كرافعة جنوبية تضع أي مسار للقضية الجنوبية في الخط  العام للأزمة اليمنية برمتها ويكون الرافع والممثل عن محورية عدالتها، وفي هذا السياق بدأ الانتقالي مدعوما ومباركا من قبل دول التحالف العربي منذ البداية، وخاض مع التحالف معارك وما زال يخوض جبهات كبيرة ومفتوحة، وظل ود الخطاب بين الانتقالي والتحالف معصوبا بالمصير المشترك.

في 5 نوفمبر 2019م تم توقيع اتفاق الرياض الذي وقع بين المجلس الانتقالي الجنوبي وحكومة الشرعية، تشكلت على ضوء الاتفاق حكومة مناصفة بين الجنوب والشمال، ومنذ ذلك اليوم دخل الاتفاق بعواصف كثيرة، وظل المجلس الانتقالي يتودد الحكومة بالالتزام بواجباتها رغم أنه جزء منها لكن ظل متعقلا هذه المرة لكي لا يعكر الود والوئام المرحلي الذي نتج بعد اتفاق الطرفين لتقاسم السلطة، ومن ضمن موجب الاتفاق: إعادة الحكومة إلى عدن وصرف رواتب الموظفين وتحسين الخدمات ودمج قوات المجلس الانتقالي ضمن وزارة الداخلية والدفاع وإعادة انتشار قوات الفريقين.

الانتقالي نفذ بنودًا تخصه مثل إعادة الانتشار في بعض المواقع وكذلك الحكومة الشرعية نفذت جزءًا من ذلك الانتشار وأهمها رفع قواتها من جبهة الشيخ سالم في أبين بل وتم دمج قوات الانتقالي في أبين مع القوات المحلية التابعة للحكومة الشرعية ضمن مسار ومعركة واحدة وهي محاربة الإرهاب في مناطق وسط أبين، غير أن القوات التي يتخوف منها الانتقالي، والتي جلُّ أفرادها شماليون مازالت في وادي حضرموت ولم توفي الحكومة بإخراجها إلى جبهات القتال مع الحوثيين - حسب ما جاء في مسودة اتفاق الرياض - وحسب  تفسير الاتفاق من قبل الانتقالي والذي لم يكن واضحًا جداً بهذا الخصوص أي مصير قوات المنطقة الأولى، لكنه أشار حسب مسودة الاتفاق بضرورة نقل القوات الحكومية إلى جبهات القتال مع الحوثيين ولم يذكرها بالاسم حسب تبرير إعلام الشرعية.

بعد سيطرة الانتقالي على أبين وشبوة حاول الانتقالي التوجه صوب حضرموت، لكن ضغوطات سعودية حالت دون ذلك ومنذ ذلك اليوم بدأت العلاقات بين السعودية من جهة والانتقالي بالتآكل خاصة في ظل تصعيد إعلامي لناشطين سعوديين ضد قيادات الانتقالي ومشروعه، وهذا التآكل لم يخرج رسميا لكن المؤشرات تدل على أن هناك فجوه قد ظهرت وخاصة من خلال التصعيد الإعلامي الذي تزايد في الآونة وظهر على السطح بين الطرفين، غير أن الطرفين لم يدفعوا بإعلامهم الرسمي تبني ذلك التراشق لكنهم رفعوا العنان لمقربين من الجانبين لتسعير حدة التراشق الكلامي في وسائل التواصل الاجتماعي وعبر مقربين من الطرفين أيضا.

وفقًا لنشطاء سعوديين مقربين من صنع القرار فإن الانتقالي قد تجاوز الخطوط الحمراء التي بموجبها تدخلت فيها السعودية، لتضع حدًا لجموح الانتقالي في السيطرة على كامل تراب الجنوب (خريطة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة) في مؤشر واضح لا يخفيه الانتقالي الذي يطالب باستعادة الدولة الجنوبية السابقة وفك الارتباط عن الشمال، وهذه المطالب أصبحت لها حاضنة شعبية كبيرة في الجنوب وتزايدت وتيرتها مع تشكيلة المجلس الانتقالي.

 

شعرة معاوية

في 27 أبريل من العام الحالي عقدت الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي دورتها السادسة في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، وكان مكان انعقاد الدورة العمومية لها أبعادها لما تمثله حضرموت من مكانة جيوسياسية لعمل المجلس الانتقالي ومد خيوط سيطرته العسكرية على المحافظة، وكان واضحًا جليا بأن الانتقالي يعد العدة للسيطرة على  وادي حضرموت الذي تسيطر عليه قوات المنطقة الأولى الموالية لجماعة الإخوان في اليمن.

مطالب الانتقالي الجنوبي بإخراج قوات المنطقة الأولى عززه موقف أبناء حضرموت الذين عبروا أكثر من مرة عن رفضهم لبقاء تواجد قوات شمالية في حضرموت عبر المليونيات التي خرجت أكثر من مرة، وكان للهبة الحضرمية الصوت المعبر عن الإرادة الشعبية وما زالت مناطق وادي حضرموت تشهد تصعيدًا منقطع النظير.

تحرك الانتقالي نحو حضرموت وإصراره على تغيير الوضع السائد عسكرياً وإداريا منذ عام 1994م دون رضا تام من اللجنة الخاصة السعودية قد يبدو سقوطًا لآخر شعرة تربط بين الطرفين، ومن شأن ذلك الفكاك إن حدث فعلا على ضوء المتغيرات فإن الوضع سيكون سيئًا جدا وينذر ببعثرة أوراق كثيرة  قد تعصف بالبلاد نحو مستقبل مجهول يضع حسابات المملكة في مهب الريح ويعيدها إلى نقطة الصفر خاصة بعد قبولها وجنوحها للسلام بشروط حوثية مجحفة ومذلة - حسب سياسيين.

 

من المستفيد من تصدع العلاقات بين السعودية والانتقالي؟

إجمالا فالمتأمل للعلاقات بين الانتقالي الجنوبي والتحالف العربي نابعة من الموقف الأخوي الذي تجسد بموقف التحالف مع الشعب اليمني ككل، فالشعب في الجنوب ينظر إلى تدخل التحالف بعاصمة الحزم بأنها علامة فارقة ستسجل في التاريخ، خاصة بعد وصول الحوثيين عدن، ولكن الجنوبيين بوجه الخصوص ينظرون إلى موقف التحالف بأنه مصير مشترك واحد ولا يخفى أيضا للمتابع بأن فزعة الجنوبيين للقتال مع قوات التحالف نابعة من الشحن الذي تلقاه الشباب لخوض المعركة كونهم يرون قوات الشمال قوة احتلال علاوة على ذلك الاختلاف الديني كون جماعة الحوثيين زيدية ومدرسة تتبع إيران والجنوب سني شافعي يتبع المملكة العربية السعودية، وكذا الفارق الطبقي الاجتماعي الذي ترسخ لدى الجنوبيين بعد حرب صيف 1994م.

بعد ثماني سنوات من الحرب لو نظرنا إلى خارطة المناطق المحررة لوجدنا الفرق شاسعا، الجنوب محرر بالكامل عدى مديرية مكيراس التابعة لمحافظة أبين بينما الشمال يخضع للحوثيين غير مدينة تعز ومديرتين في مأرب.

المناطق الخاضعة لما يسمى الحكومة الشرعية تسيطر عليها جماعة الإخوان وعلى مدى ثماني سنوات سلمت الحوثيين محافظة الجوف ومديرية نهم ومناطق واسعة من حجه والبيضاء، واليوم تنظر إلى التقارب الانتقالي الجنوبي مع السعودية بأنه خطر يحدق عليها خاصة لو تم تسليم الانتقالي المحافظات الجنوبية المحررة لإدارتها سياسيا واقتصاديا وعسكريا  ومن ضمن ذلك إخراج قوات المنطقة الأولى من الوادي لمواجهة الحوثيين وإحلال قوات حضرمية بديلا عنها.

هذا الموقف تنظر له القوى الإخوانية المنضوية تحت عباءة الحكومة الشرعية بأنه خطر يحدق بها، فمن ناحية سيتم تقليص دور الإخوان في الجنوب  في آخر معقل لها، ومن ناحية سيفقدها شعبيتها في المناطق التي تسيطر عليها وبذلك تعمل تلك القوى جاهدة على فكفكة العلاقة بين الانتقالي الجنوبي والسعودية خوفا من النجاحات التي حققها الانتقالي في جبهات القتال، وكون الانتقالي المتحكم بتلك الجبهات فإن التقارب سيكون خطرًا عليها كون تلك الأحزاب لا تملك أرضا تستطيع أن تمن على التحالف لنزع موقف يرضيها، وبالتالي فإن تشكيل المجلس الوطني الحضرمي لاقى ترحابا كبيرا بين القوى الإخوانية التي تدعي بأنها تحافظ على السيادة، فتلك القوى ترى المجلس الوطني الحضرمي قريبا لها وعن توجهها عكس المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تراه الخصم لها.

تشكيل المجلس الوطني الحضرمي أتى أيضا بإيعاز ودعم من السعودية لهدم ووئد البيت الجنوبي عبر الانتقالي الذي حاول ترميمه ونجح إلى حد كبير خاصة بعد الميثاق الوطني الجنوبي ولملمة شتات قوى الحراك تحت سقف الانتقالي.

اليوم الحوثيون في الشمال أيضا مستفيدون من الخصام بين الانتقالي والسعودية لتمرير مشاريعهم التفاوضية وكذا إثبات للداخل بأن السعوديين لا أحد يتمسك بهم لأنهم سوف يتركونك وسط الطريق، ويستشهد بالانتقالي كيف تخلت السعودية عنه رغم أنه الحليف الصادق معها.

وسط هذا التخبط لسياسة السعوديين فإن الوضع العام للبلد سيحمل العديد من التكهنات، خاصة مع وجود موقف قوي لدولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب الجنوبيين بقيادة الانتقالي ورفضها التام للتخلي عنهم، وهذا ما سيترتب عليه من سيناريوهات مفتوحة قد تحط مستقبل الشراكة بين الدولتين في وضع متأزم سينعكس إلى الداخل الجنوبي وهذا ما يتمناه الحوثيون والإخوان ليدقوا آخر مسمار في نعش قائدة التحالف.

فهل السعوديون مدُركون لهذه اللعبة أم أن سياستهم دائما تأخذ إلى وسط الطريق ويتركون الباقي للقدر؟

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الصحافة الآن